المنجز الإماراتي وعنجهية أردوغان

بقلم: الحبيب الأسود

في عام ما قبل العيد الخمسين على تأسيسها، تثبت دولة الإمارات العربية المتحدة قدرتها على طرق أبواب المستقبل ضمن كوكبة الدول التي اندمجت في ثقافته، لتصبح جزءا من مشروع إنساني صانع للحضارة، لا يكتفي باستهلاك منتجها أو التفرج على منجزها.

إطلاق مسبار الأمل نحو المريخ، وتشغيل أول مفاعل سلمي للطاقة النووية في العالم العربي، خلال مدة لا تتجاوز 12 يوما، يكشفان عن طبيعة الإرادة التي تحدو قيادة هذا البلد: نحن نعمل لنكون في صف الأوائل عالميا، نشكّل نموذجنا لنؤكد أن العرب يستطيعون أن يكونوا في المقدمة، ثروات اليوم يجب أن تصرف في تأمين غد أكثر ثراء، نحن لا نخوض غمار المستقبل إلا بامتلاك سفرنا المعتمد إليه، وهو التمكن من أدواته وكسب تحدياته والوعي برهاناته.

القضية ليست استعراضية كما يعتقد البعض. المؤشرات التنافسية والتنموية العالمية في مختلف المجالات تضع الإمارات في الصدارة عالميا، أو على الأقل في صف العشر الأوائل، والأمر ليس وليد ثروة النفط، فالنفط موجود في دول عدة وبتدفق أكبر، دون أن تستفيد منه شعوبها، ولكن الأمر يتعلق بالرؤية والقدرة على إدارة الطموحات، والتطلع إلى المستقبل وكأنك تعيشه، فتدرك ما أنت في حاجة إليه، وتحاسب نفسك على ما لم تنجزه.

إن حملة التشكيك في كل منجز إماراتي، والتي يتزعمها المحور القطري التركي الإخواني بكل صفاقة، لن تغيّر المعطيات التي فرضت نفسها على الأرض وفي الفضاء، وكل التقارير المشبوهة التي يتم تحبيرها في غرف مظلمة، ثم تسريبها عبر مواقع مدفوعة الثمن، لتتحول إلى مادة إعلامية لمنصات تدار بعقلية الحقد الأيديولوجي الأعمى، لن تستطيع قطع الطريق أمام النهر الذي أسس مجراه نحو المستقبل.

وصراخ القائمين على محور الشر الإقليمي، لا يدل إلاّ على حجم الوجع الذي يصيبهم كلما تقدم قطار التنمية والبحث العلمي في الإمارات، والإصلاح الاجتماعي والاقتصادي في السعودية، والبناء والتمكن من عناصر النهضة والمناعة في مصر، علينا أن ندرك أن هناك معركة حقيقية تدار من قبل تحالف قطري تركي إخواني يحرك حجر مغناطيس لجذب كل مشاعر الحقد والكراهية ونعرات الشر والعدوان، على مستوى المنطقة والعالم، فلا يريد للعروبة أن تنهض من كبوتها ولا للعرب أن يتجاوزوا قرون التخلف والجهل والخرافة، إلا بإخضاعهم من جديد لمن كانوا وراء ظلامها وأوهامها وفرماناتها.

ما جاء على لسان وزير الدفاع التركي خلوصي عكار، من خلال قناة “الجزيرة” القطرية، في استهداف دولة الإمارات، لا يصب إلا في دائرة ذلك الحقد الأعمى الذي يكنه نظام أردوغان ومن يقف من حوله وورائه من الواهمين بأن عجلة التاريخ ستعود إلى الوراء، ضد العرب، وضد دولة الإمارات باعتبارها النموذج المتقدم والراقي لعروبة حضارية تريد أن تبني غدها بأنوار العقل، وتصون أمنها القومي ومقدراتها بسيف العدل ودرع القوة وذراع الإرادة ووحدة الصف، وأن تصنع مصيرها وقد حصنت نفسها من الأطماع الإقليمية، ومن المتآمرين عليها في الداخل والخارج.

ما قاله الوزير التركي، وإن كان استفزازيا، وينم عن عنجهية ضابط انكشاري لا رجل سياسية يدرك كيف تدار العلاقات بين الدول، إلاّ أنه فضح حجم الارتباك الذي يعانيه نظامه وحلفاؤه في الدوحة وأتباعه في المنطقة، ممن فقدوا السيطرة على خيوط مشروعهم وخسروا رهانهم على وضع أياديهم على أجزاء غالية من الوطن العربي، كسوريا التي وعد أردوغان بأن يؤم أنصاره في المسجد الأموي بعاصمتها دمشق، وليبيا التي قرر أن يحتلها من جديد باعتبارها جزءا من إرث أجداده العثمانيين، كما قال في أكثر من مناسبة.

وهم في كل خساراتهم يحددون ملامح القوة المنتصرة عليهم بأنها دولة الإمارات، في محاولة منهم لتجاهل الحقيقة التي تؤرقهم، وهي أن هناك شعوبا ومجتمعات وقوى وطنية وتقدمية ومدنية وجماهير ترفض انتهاك حرمات أوطانها، وضرب سيادة دولها، وسرقة ثرواتها ومقدراتها من قبل العدو الخارجي (التركي)، وتابعه الصغير (القطري)، وميليشيات الإرهاب والتطرف، وجماعات الإسلام السياسي المنقطعة عن الحاضر والمستقبل، والباحثة لنفسها عن مرجعيات ماضوية لاستحضار تاريخ لا يستطيع الإجابة عن أسئلة الفضاء والذرة، التي تطرحها الإمارات اليوم وتجيب عنها فعلا يتصدر منجزها.

إن ما قاله الوزير التركي عن ضرر ألحقته الإمارات بنظامه، يعني أن مشروع أردوغان فشل في المنطقة العربية، وبات يلفظ أنفاسه الأخيرة، بعد أن اعتقد القائمون عليه منذ العام 2011 أنه سلك طريق النصر العظيم، وإذا ساهمت الإمارات بدور كبير في إفشال ذلك المشروع، فهو يحسب لها من باب دفاعها المستميت عن الأمن القومي العربي، وعن مشروع العروبة الحضارية الذي تتبناه، كما يحسب لمحور الاعتدال العربي وللقوى المدنية والوطنية التي ترفض أن يتم إخضاعها لأطماع السلطان الواهم باستعادة الخلافة الموبوءة، في ذكرى مرور مئة عام على تفكيكها والتي توافق العام 2023.

تعيش منطقتنا اليوم في تجاذب بين مشروعين الأول هو مشروع المستقبل: التنوير والتطوير، وكسب معركة العقل والحداثة، وتحقيق الرقي والرفاه والنماء للشعوب، وتقف الإمارات في صدارة هذا المشروع مع شقيقاتها من دول محور الإعتدال. والثاني هو مشروع يتشبث بالماضي: وهم الخلافة وخرافة السيطرة على مصائر الشعوب، مستعين بخطاب ديني متشدد، يعتمد في سعيه لافتكاك الأرض على ميليشيات خارجة عن القانون، وجماعات إرهابية وعصابات من المرتزقة، ويستعمل تقنيات العصر في استحضار ظلمات التاريخ لإسقاطها على الواقع، وهو الذي تتزعمه تركيا وحليفها القطري، ومن يركض وراءهما على طريق الضلالة.

-العرب اللندنية

مقالات ذات صلة

العربيةEnglishFrançaisEspañol
إغلاق